ابن الأثير
82
الكامل في التاريخ
وهم يدعون له ، فاقتتلوا ، فظفر النجاشيّ ، فما سرّ المسلمون بشيء سرورهم بظفره . قيل : إنّ معنى قوله إنّ اللَّه لم يأخذ الرشوة مني ، أنّ أبا النجاشيّ لم يكن له ولد غيره ، وكان له عمّ قد أولد اثني عشر ولدا ، فقالت الحبشة : لو قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخاه فإنّه لا ولد له غير هذا الغلام ، وكان أخوه وأولاده يتوارثون الملك دهرا . فقتلوا أباه وملّكوا عمّه ومكثوا على ذلك حينا ، وبقي النجاشيّ عند عمّه ، وكان عاقلا ، فغلب على أمر عمّه ، فخافت الحبشة أن يقتلهم جزاء لقتل أبيه ، فقالوا لعمّه : إمّا أن تقتل النجاشيّ وإمّا أن تخرجه من بين أظهرنا فقد خفناه . فأجابهم إلى إخراجه من بلادهم على كره منه ، فخرجوا إلى السوق فباعوه من تاجر « 1 » بستّمائة درهم . فسار به التاجر في سفينته . فلمّا جاء العشاء هاجت سحابة فأصابت عمّه بصاعقة ، ففزعت الحبشة إلى أولاده ، فإذا هم لا خير فيهم ، فهرج على الحبشة أمرهم ، فقال بعضهم : واللَّه لا يقيم أمركم إلّا النجاشيّ ، فإن كان لكم بالحبشة رأي فأدركوه . فخرجوا في طلبه حتى أدركوه وملّكوه . وجاء التاجر وقال لهم : إمّا أن تعطوني مالي وإمّا أن أكلّمه . فقالوا : كلّمه . فقال : أيّها الملك ، ابتعت غلاما بستّمائة درهم ثمّ أخذوا الغلام والمال . فقال النجاشيّ : إمّا أن تعطوه دراهمه وإمّا أن يضع الغلام يده في يده فليذهبنّ به حيث شاء . فأعطوه دراهمه ، فهذا معنى قوله . فكان ذلك أوّل ما علم من عدله ودينه . قال : ولما مات النجاشيّ كانوا لا يزالون يرون على قبره نورا .
--> . مستأجر . P . C